فخر الدين الرازي
42
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بدليل أن القائل يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه ، فإذا سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه سهل يسير ، فنقول قال اللّه تعالى إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند اللّه سهل يسير فسيروا في الأرض لتعلموا أنه مقدور ، ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 21 إلى 22 ] يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 ) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 ) لما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون فيه وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا وحكمة ، وإثابة أهل الإنابة فضلا ورحمة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه السلام حاكيا عنه « سبقت رحمتي غضبي » فنقول ذلك الوجهين أحدهما : أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة ، وكما ذكر ، بعد إثبات الأصل الأول وهو التوحيد - التهديد بقوله : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ [ العنكبوت : 18 ] وأهلكوا بالتكذيب كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب ، وذكر الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا يحقق قوله : ( سبقت رحمتي غضبي ) وذلك لأن اللّه حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر بل ذكر الرحمة معه . المسألة الثانية : إذا كان ذكر هذا لتخويف العاصي وتفريح المؤمن فلو قال يعذب الكافر ويرحم المؤمن لكان أدخل في تحصيل المقصود وقوله : يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لا يزجر الكافر لجواز أن يقول لعلي لا أكون ممن يشاء اللّه عذابه ، فنقول : هذا أبلغ في التخويف ، وذلك لأن اللّه أثبت بهذا إنفاذ مشيئته إذا أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ، ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد والإيعاد أنه شاء تعذيب أهل العناد ، فلزم منه الخوف التام بخلاف ما لو قال يعذب العاصي ، فإنه لا يدل على كمال مشيئته ، لأنه لا يفيد أنه لو شاء عذاب المؤمن لعذبه ، فإذا لم يفد هذا فيقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك الصورة يمكن أن يحصل في صورة أخرى ، ولنضرب له مثلا فنقول : إذا قيل إن الملك يقدر على ضرب كل من في بلاده وقال من خالفني أضربه يحصل الخوف التام لمن يخالفه ، وإذا قيل إنه قادر على ضرب المخالفين ولا يقدر على ضرب المطيعين ، فإذا قال من خالفني أضربه يقع في وهم المخالف أنه لا يقدر على ضرب فلان المطيع ، فلا يقدر علي أيضا لكوني مثله ، وفي هذا فائدة أخرى وهو الخوف العام والرجاء العام ، لأن الأمن الكلي من اللّه يوجب الجراءة فيفضي إلى صيرورة المطيع عاصيا . المسألة الثالثة : قال : وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ مع أن هذه المسألة قد سبق إثباتها وتقريرها فلم أعادها ؟ فنقول لما ذكر اللّه التعذيب والرحمة وهما قد يكونان عاجلين ، فقال تعالى : فإن تأخر عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات ، فإن إليه إيابكم وعليه حسابكم وعنده يدخر ثوابكم وعقابكم ، ولهذا قال بعدها وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ يعني لا تفوتون اللّه بل الانقلاب إليه ولا يمكن الانفلات منه ، وفي تفسير هذه الآية لطائف إحداها : هي إعجاز المعذب عن التعذيب إما بالهرب منه أو الثبات له والمقاومة معه للدفع ، وذكر اللّه القسمين فقال : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ يعني بالهرب لو صعدتم إلى محل السماك في السماء أو هبطتم إلى موضع