فخر الدين الرازي

216

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وفيه وجهان أحدهما : يقذف بالحق في قلوب المحقين ، وعلى هذا الوجه للآية بما قبلها تعلق ، وذلك من حيث إن اللّه تعالى لما بين رسالة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ وأكده بقوله : قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وكان من عادة المشركين استبعاد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه ، كما قال تعالى عنهم : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] ذكر ما يصلح جوابا لهم فقال : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي في القلوب إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء . ثم قال تعالى : عَلَّامُ الْغُيُوبِ إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو أن من يفعل شيئا / كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالما وإنما فعل ذلك اتفاقا ، كما إذا أصاب السهم موضعا دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة فقال : يَقْذِفُ بِالْحَقِّ كيف يشاء وهو عالم بما يفعله وعالم بعواقب ما يفعله فهو يفعل ما يريد لا كما يفعله الهاجم الغافل عن العواقب إذ هو علام الغيوب الوجه الثاني : أن المراد منه هو أنه يقذف بالحق على الباطل كما قال في سورة الأنبياء : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [ الأنبياء : 18 ] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها أيضا ظاهر وذلك من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت ودحضت شبههم قال : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي على باطلكم ، وقوله : عَلَّامُ الْغُيُوبِ على هذا الوجه له معنى لطيف وهو أن البرهان الباهر المعقول الظاهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة ، وأما الحشر فعلى وقوعه لا برهان غير إخبار اللّه تعالى عنه ، وعن أحواله وأهواله ، ولولا بيان اللّه بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة ، فلما قال : يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي على الباطل ، إشارة إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة قال : عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأحوالها فهو لا خلف فيه فإن اللّه علام الغيوب ، والآية تحتمل تفسيرا آخر وهو أن يقال : رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به أي الحق مقذوف وعلى هذا الباء فيه كالباء في قوله : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ * [ الزمر : 69 ] وفي قوله : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ ص : 26 ] والمعنى على هذا الوجه هو أن اللّه تعالى قذف ما قذف في قلب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 49 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) لما ذكر اللّه أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال ، ذكر أن ذلك الحق قد جاء وفيه وجوه أحدها : أنه القرآن الثاني : أنه بيان التوحيد والحشر وكل ما ظهر على لسان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الثالث : المعجزات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يكون المراد من جاءَ الْحَقُّ ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر والباطل خلاف الحق ، وقد بينا أن الحق هو الموجود ، ولما كان ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يمكن انتفاؤه كالتوحيد والرسالة والحشر ، كان حقا لا ينتفي ، ولما كان ما يأتون به من الإشراك والتكذيب لا يمكن وجوده كان باطلا لا يثبت ، وهذا المعنى يفهم من قوله : وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ أي الباطل لا يفيد شيئا في الأولى ولا في الآخرة فلا إمكان لوجوده أصلا ، والحق المأتي به لا عدم له أصلا ، وقيل المراد لا يبدئ الشيطان ولا يعيد ، وفيه معنى لطيف وهو أن قوله تعالى : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ لما كان فيه معنى قوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ