فخر الدين الرازي

199

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده ، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيرا لإدراكه إياه بالريح فكان في زمان العظمة بالإطعام والإنعام . المسألة الثالثة : لما قال عقيب قوله تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ اعْمَلُوا صالِحاً [ سبأ : 11 ] ، قال عقيب ما يعمله الجن : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرا ، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما في قوله : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [ سبأ : 11 ] أي اجعله بقدر الحاجة المسألة الرابعة : انتصاب شُكْراً يحتمل أوجه أحدها : أن يكون مفعولا له كقول القائل جئتك طمعا وعبدت اللّه رجاء غفرانه وثانيها : أن يكون مصدرا كقول القائل شكرت اللّه ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعودا ، وكذلك لأن العمل شكر فقوله : اعْمَلُوا يقوم مقام قوله : ( اشكروا ) وثالثها : أن يكون مفعولا به كقولك اضرب زيدا كما قال تعالى : وَاعْمَلُوا صالِحاً [ سبأ : 11 ] لأن الشكر صالح . المسألة الخامسة : قوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ إشارة إلى أن اللّه خفف الأمر على عباده ، وذلك لأنه لما قال : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن ، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائما تكون نعمة اللّه بعد الشكر خالية عن الشكر ، فقال تعالى : إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام فليس عليكم في ذلك حرج ، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في قوله : عِبادِيَ مع الإضافة إلى نفسه ، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين ، كقوله تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] وقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الإسراء : 65 ] فإن قيل على ما ذكرتم شكر اللّه بتمامه لا يمكن وقوله : قَلِيلٌ يدل على أن في عباده من هو شاكر لأنعمه ، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله ، وأما الشكر الذي يناسب نعم اللّه فلا قدرة عليه ، ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها ، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي اللّه عنه ، وقال له : يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي بأسرها ، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 14 ] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 14 ) لما بين عظمة سليمان وتسخير الريح والروح له بين أنه لم ينج من الموت ، وأنه قضى عليه الموت ، تنبيها للخلق على أن الموت لا بد منه ، ولو نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه ، وفيه مسائل :