فخر الدين الرازي
19
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض ولا فسادا ، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وفيه وجوه أحدهما : المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير وثانيها : حصل له شيء هو أفضل من تلك الحسنة ، ومعناه أنهم يزادون على ثوابهم وقد مر تفسيره في آخر النمل ، وأما قوله : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ فظاهره أن لا يزادوا على ما يستحقون . / وإذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب ، قال صاحب « الكشاف » تقدير الآية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون ، لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا فضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين ، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها ، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ، وهاهنا سؤالان : السؤال الأول : قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [ الإسراء : 7 ] كرر ذلك الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة ، وفي هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة ، فما السبب ؟ الجواب : لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة ، فكانت المبالغة في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب ، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة . وأما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى . السؤال الثاني : كيف قال : لا تجزي السيئة إلا بمثلها ؟ مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد والجواب : لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه . قال الجبائي : وهذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على اللّه تعالى أن يعذب الأطفال عذابا دائما بغير جرم ، قلنا لا يجوز أن يفعله وليس في الآية ما يدل عليه ، ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك ، شرح له ما يتصل بأحواله فقال : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال أبو علي : الذي فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد ، وتنكير المعاد لتعظيمه ، كأنه قال إلى معاد وأي معاد ، أي ليس لغيرك من البشر مثله . وقيل المراد به مكة ، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن عظيم لاستيلاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عليها وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية ، فكأن اللّه تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهرا ظافرا . وقال مقاتل : إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب ، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : تشتاق إلى بلدك ومولدك ، فقال عليه السلام : نعم ، فقال جبريل عليه السلام : فإن اللّه تعالى يقول : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ يعني إلى مكة ظاهرا عليهم وهذا أقرب ، لأن ظاهر