فخر الدين الرازي

173

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وأنواعا من الإكرام ولا يقول بأنه إذا وصل نفتح باب الخزانة ونؤتيه ما يرضيه فكذلك اللّه لكمال الإكرام أعد للذاكر أجرا كريما والكريم قد ذكرناه في الرزق أي أعد له أجرا يأتيه من غير طلبه بخلاف الدنيا فإنه يطلب الرزق ألف مرة ولا يأتيه إلا بقدر . وقوله : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ مناسب لحالهم لأنهم لما ذكروا اللّه في دنياهم حصل لهم معرفة ولما سبحوه تأكدت المعرفة حيث عرفوه كما ينبغي بصفات الجلال ونعوت الكمال واللّه يعلم حالهم في الدنيا فأحسن إليهم بالرحمة ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وقال : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] والمتعارفان إذا التقيا وكان أحدهما شفيقا بالآخر والآخر معظما له غاية التعظيم لا يتحقق بينهما إلا السلام وأنواع الإكرام . ثم قال تعالى : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 45 إلى 46 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 45 ) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ( 46 ) قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبي عليه السلام من ربه فقوله في ابتدائها : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع ربه وقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ * إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى : شاهِداً يحتمل وجوها أحدهما : أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى : وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] وعلى هذا فالنبي بعث شاهدا أي متحملا للشهادة ويكون في الآخرة شهيدا أي مؤديا لما تحمله ثانيها : أنه شاهد أن لا إله إلا اللّه ، وعلى هذا لطيفة وهو أن اللّه جعل النبي شاهدا على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعيا فالله تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعيا لها لأن المدعي من يقول شيئا على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس والنبي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل اللّه نفسه شاهدا له في مجازاة كونه شاهدا للّه فقال تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ « 1 » [ المنافقون : 1 ] وثالثها : أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد وقوله : وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبي عليه السلام أرسل شاهدا بقوله لا إله إلا اللّه ويرغب في ذلك بالبشارة فإن لم يكف / ذلك يرهب بالإندار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا اللّه بل يدعوهم إلى سبيل اللّه كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ [ النحل : 125 ] وقوله : وَسِراجاً مُنِيراً أي مبرهنا على ما يقول مظهرا له بأوضح الحجج وهو المراد بقوله تعالى : بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ النحل : 125 ] . وفيه لطائف إحداها : قوله تعالى : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ حيث لم يقل وشاهدا بإذنه ومبشرا وعند الدعاء قال وداعيا بإذنه ، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشرا ونذيرا ولا يحتاج إلى إذن من الملك في ذلك ، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه ، واحضروا على خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ووجه آخر وهو أن النبي يقول إني أدعو إلى اللّه والولي يدعو إلى اللّه ، والأول لا إذن له فيه من أحد ، والثاني مأذون من جهة النبي عليه السلام كما قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي

--> ( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع ( واللّه يشهد إنك لرسوله ) وهو خطأ لذا اقتضى التصحيح .