فخر الدين الرازي

123

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

في الأفعال والأقوال الثالث : هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه ، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه . فقوله : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان فإن الملك لا يأمر ملكا آخر بشيء ولا ينهاه عن شيء . وقوله : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً الذي هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة فإن عدم التكبر والتبختر صفتهم . وقوله : وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إشارة إلى المكارم التي هي صفة الحيوان ثم قال تعالى : إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي ، نقول أما على قولنا إن المشي والصوت كلاهما موصلان إلى شخص مطلوب إن أدركه بالمشي إليه فذاك ، وإلا فيوقفه بالنداء ، فنقول رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة ، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن وأما السرعة في المشي فلا تؤذي أو إن كانت تؤذي فلا تؤذي غير من في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين واليسار ، ولأن المشي يؤذي آلة المشي والصوت يؤذي آلة السمع وآلة السمع على باب القلب ، فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي ، وأما على قولنا الإشارة بالشيء والصوت إلى الأفعال والأقوال فلأن القول قبيحة أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب والاعتبار يصحح الدعوى . المسألة الثانية : كيف يفهم كونه أنكر مع أن مس المنشار بالمبرد وحت النحاس بالحديد أشد تنفيرا ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد أن أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد ما ذكرتم وما ذكرتم في أكثر الأمر لمصلحة وعمارة فلا ينكر ، بخلاف صوت الحمير وهذا وهو الجواب الثاني . المسألة الثالثة : أنكر هو أفعل التفضيل فمن أي باب هو ؟ نقول يحتمل أن يكون من باب أطوع له من بنانه ، بمعنى أشدها طاعة فإن أفعل لا يجيء في مفعل ولا في مفعول ولا في باب العيوب إلا ما شذ ، كقولهم أطوع من كذا للتفضيل على المطيع ، وأشغل من ذات النحيين للتفضيل على المشغول ، وأحمق من فلان من باب العيوب ، وعلى هذا فهو في باب أفعل كأشغل في باب مفعول فيكون للتفضيل على المنكر ، أو نقول هو من باب أشغل مأخوذا من نكر الشيء فهو منكر ، وهذا أنكر منه ، وعلى هذا فله معنى لطيف ، وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو غير ذلك ، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح ، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكور ، ويمكن أن يقال هو من نكير كأجدر من جدير . ثم قال تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 20 ] أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) لما استدل بقوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ على الوحدانية ، وبين بحكاية لقمان أن / معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة ، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم