فخر الدين الرازي
118
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اختياري للحيوان ، ولكن لا يشك أحد في أن الماء في الهواء من جهة فوق ليس طبعا فإن الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختيارا ، إذ الماء لا اختيار له فهو بإرادة اللّه تعالى ، فقال : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ الثاني : هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان ، متكثرة في كل مكان ، فأسنده إلى نفسه صريحا ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته ، وقوله تعالى : فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي من كل جنس ، وكل جنس فتحته زوجان ، لأن النبات إما أن يكون شجرا ، وإما أن يكون غير شجر ، والذي هو الشجر إما أن يكون مثمرا ، وإما أن يكون غير مثمر ، والمثمر كذلك ينقسم قسمين ، وقوله تعالى : كَرِيمٍ أي ذي كرم ، لأنه يأتي كثيرا من غير حساب أو مكرم مثل بغض للمبغض . ثم قال تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 11 ] هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) قوله تعالى : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني اللّه خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق . ثم قال تعالى : بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي بين أو مبين للعاقل أنه ضلال ، وهذا لأن ترك الطريق والحيد عنه ضلال ، ثم إن كان الحيد يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء فإنه يكون غاية الضلال ، فالمقصد هو اللّه تعالى ، فمن يطلبه ويلتفت إلى غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال ، لكن من وجهه إلى اللّه قد يصل إلى المقصود ولكن بعد تعب وطول مدة ، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ما سواه يكون كالذي على الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب . وأما الذي تولى لا يصل إلى المقصود أصلا ، وإن دام في السفر ، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون لعبادتهم في غير موضعها أو الواضعون أنفسهم في عبادة غير اللّه . ثم قال تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 12 ] وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ لما بين اللّه فساد اعتقادهم بسبب عنادهم / بإشراك من لا يخلق شيئا بمن خلق كل شيء بقوله : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وبين أن المشرك ظالم ضال ، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة وهذا إشارة إلى معنى ، وهو أن اتباع النبي عليه السلام لازم فيما لا يعقل معناه إظهارا للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة ، بل يدرك بالعقل معناه وما جاء به النبي عليه السلام مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه بالحكمة وقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ عبارة عن توفيق العمل بالعلم ، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة ، وإن أردنا تحديدها بما يدخل فيه حكمة اللّه تعالى ، فنقول حصول العلم على وفق المعلوم ، والذي يدل على ما ذكرنا أن من تعلم شيئا ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيما وإنما يكون مبخوتا ، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم ، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة ، لعدم علمه به أولا ، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله ، ثم الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى :