فخر الدين الرازي
115
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
هُدىً في مقابلة قوله : الْكِتابِ وقوله : وَرَحْمَةً في مقابلة قوله : الْحَكِيمِ ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة كقوله تعالى : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ الحاقة : 21 ] أي ذات رضا . المسألة الثانية : قال هناك لِلْمُتَّقِينَ وقال هاهنا لِلْمُحْسِنِينَ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر قال : لِلْمُتَّقِينَ أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب ، وينظر فيه من غير عناد ، ولما زاد هاهنا رحمة قال : لِلْمُحْسِنِينَ أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان فالمحسن هو الآتي بالإيمان والمتقي هو التارك للكفر ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] ومن جانب الكفر كان متقيا وله الجنة ، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسنا وله الزيادة لقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال : لِلْمُحْسِنِينَ لأن رحمة اللّه قريب من المحسنين . المسألة الثالثة : قال هناك : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] وقال هاهنا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولم يقل يؤمنون لما بينا أن المتقي هو التارك للكفر ويلزمه أن يكون مؤمنا والمحسن هو الآتي بحق الإيمان ، ويلزمه أن لا يكون كافرا ، فلما كان المتقي دالا على المؤمن في الالتزام صرح بالإيمان هناك تبيينا ولما كان المحسن دالا على الإيمان بالتنصيص لم يصرح بالإيمان وقوله تعالى : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ قد ذكرنا ما في الصلاة وإقامتها مرارا وما في الزكاة والقيام بها ، وذكرنا في تفسير الأنفال في أوائلها أن الصلاة ترك التشبه بالسيد فإنها عبادة صورة وحقيقة واللّه تعالى تجب له العبادة ولا تجوز عليه العبادة ، وترك التشبه لازم على العبد أيضا في أمور فلا يجلس عند جلوسه ولا يتكئ عند اتكائه ، والزكاة تشبه بالسيد فإنها دفع حاجة الغير واللّه دافع الحاجات ، والتشبه لازم على العبد أيضا في أمور ، كما أن عبد العالم لا يتلبس بلباس الأجناد ، وعبد الجندي لا يتلبس بلباس الزهاد ، وبهما تتم العبودية . ثم قال تعالى : [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 6 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 6 ) لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره ، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه الأول : أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح الثاني : هو أن الحديث إذا كان لهوا لا فائدة فيه كان أقبح / الثالث : هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « روحوا القلوب ساعة فساعة » رواه الديلمي عن أنس مرفوعا ويشهد له ما في مسلم « يا حنظلة ساعة وساعة » والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز من المطايبة ، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فإن الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كان فعله أدخل في القبح . ثم قال تعالى : بِغَيْرِ عِلْمٍ عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم ويتخذها أي يتخذ السبيل هزوا أولئك لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ قوله : مُهِينٌ إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام ، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده ، فالجلاد إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك في الحبس يكرمه ويخفف من تعذيبه ، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى ، فإنه لا يكرمه . فقوله : عَذابٌ مُهِينٌ إشارة إلى هذا وبه يفرق