فخر الدين الرازي
111
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [ النمل : 81 ] لما نفى إسماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون المؤمن حيا سميعا وهو كذلك لأن المؤمن ترد على قلبه أمطار البراهين فتنبت في قلبه العقائد الحقة ، ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ، وهذا يدل على خلاف مذهب المعتزلة فإنهم قالوا اللّه يريد من الكل الإيمان ، غير أن بعضهم يخالف إرادة اللّه ، وقوله : إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ دليل على أنه يؤمن فيسمعه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ما يجب أن يفعل فهم مسلمون مطيعون كما قال تعالى عنهم : قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا * [ البقرة : 285 ] . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 54 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلا من دلائل الآفاق وهو قوله : اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [ الروم : 48 ] وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله ، فقال : خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] ومن هاهنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنيا أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى : ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنينا وطفلا مولودا ورضيعا ومفطوما فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله : ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله ، وقوله : ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ . إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف ، ثم بين بقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ إن هذا ليس طبعا بل هو بمشيئة اللّه تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ [ الروم : 48 ] وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ لما قدم العلم على القدرة ؟ وقال من قبل وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الروم : 27 ] فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة هاهنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الروم : 27 ] لأن الإعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وهاهنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم هاهنا أظهر ، ثم إن قوله تعالى : وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالما بأعمال الخلق كان عالما بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيرا علمه وإن عملوا شرا علمه ، ثم إذا كان قادرا فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم ، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال : وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وإلى مثل هذا أشار في قوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] عقيب خلق الإنسان ، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم ، والخلق المفهوم من قوله : الْخالِقِينَ إشارة إلى القدرة ، ثم لما بين ذكر الإبداء والإعادة كالإبداء ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها فقال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 55 ] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 )