فخر الدين الرازي
107
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
التعذيب على الإثابة ، فنقول إن كان اللّه يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه ، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة ، وما ذكر على خلافه لا يكون في درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالا وهو قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ [ الروم : 14 ، 15 ] قدم المؤمن على الكافر ، وهاهنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [ الروم : 43 ] أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن ، فنقول هناك أيضا قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ [ الروم : 12 ] فذكر الكافر وإبلاسه ، ثم قال تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم : 14 ] فكان ذكر المؤمن وحده لا بد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله : يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وقوله في حق المؤمن : فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ لكن اللّه تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى للتفصيل فقال : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 46 ] وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ لما ذكر أن ظهور الفساد والهلاك / بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح ، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ، ويذكر لإضراره سببا لئلا يتوهم به الظلم فقال : يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ قيل بالمطر كما قال تعالى : بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ * [ الأعراف : 57 ] أي قبل المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال ، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد . ثم قال تعالى : وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ عطف على ما ذكرنا ، أي ليبشركم بصلاح الهواء وصحة الأبدان وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ بالمطر ، وقد ذكرنا أن الإذاقة تقال في القليل ، ولما كان أمر الدنيا قليلا وراحتها نزر قال : وَلِيُذِيقَكُمْ ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه بقوله : بِأَمْرِهِ أي الفعل ظاهرا عليه ولكنه بأمر اللّه ، ولذلك لما قال : وَلِتَبْتَغُوا مسندا إلى العباد ذكر بعده مِنْ فَضْلِهِ أي لا استقلال لشيء بشيء وفي الآية مسائل : الأولى : في الترتيب فنقول في الرياح فوائد ، منها إصلاح الهواء ، ومنها إثارة السحاب ، ومنها جريان الفلك بها فقال : مُبَشِّراتٍ بإصلاح الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده ، ثم جريان الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ابتغاء الفضل بركوبها . المسألة الثانية : قال في قوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسادُ . . . لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [ الروم : 41 ] وقال هاهنا وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ فخاطب هاهنا تشريفا ولأن رحمته قريب من المحسنين فالمحسن قريب فيخاطب والمسئ بعيد فلم يخاطبهم ، وأيضا قال هناك بعض الذي عملوا وقال هاهنا مِنْ رَحْمَتِهِ فأضاف ما أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان : أحدهما : ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر