فخر الدين الرازي

105

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] وإذا كان الشرك سببه جعل اللّه إظهارهم الشرك مورثا لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه قولهم : لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ المؤمنون : 71 ] كما قال تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [ مريم : 90 ] وإلى هذا أشار بقوله تعالى : لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا واختلفت الأقوال في قوله : فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فقال بعض المفسرين : المراد خوف الطوفان في البر والبحر ، وقال بعضهم عدم إثبات بعض الأراضي وملوحة مياه البحار ، وقال آخرون : المراد من البحر المدن ، فإن العرب تسمي المدائن بحورا لكون مبنى عمارتها على الماء ويمكن أن يقال / إن ظهور الفساد في البحر قلة مياه العيون فإنها من البحار ، واعلم أن كل فساد يكون فهو بسبب الشرك لكن الشرك قد يكون في العمل دون القول والاعتقاد فيسمى فسقا وعصيانا وذلك لأن المعصية فعل لا يكون للّه بل يكون للنفس ، فالفاسق مشرك باللّه بفعله ، غاية ما في الباب أن الشرك بالفعل لا يوجب الخلود لأن أصل المرء قلبه ولسانه ، فإذا لم يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك البدني بسببهما ، وقوله تعالى : لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا قد ذكرنا أن ذلك ليس تمام جزائهم وكل موجب افترائهم ، وقوله : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني كما يفعله المتوقع رجوعهم مع أن اللّه يعلم أن من أضله لا يرجع لكن الناس يظنون أنه لو فعل بهم شيء من ذلك لكان يوجد منهم الرجوع ، كما أن السيد إذا علم من عبده أنه لا يرتدع بالكلام ، فيقول القائل لما ذا لا تؤدبه بالكلام ؟ فإذا قال لا ينفع ربما يقع في وهمه أنه لا يبعد عن نفع ، فإذا زجره ولم يرتدع يظهر له صدق كلام السيد ويطمئن قلبه . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 42 ] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) لما بين حالهم بظهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم فقال : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ أي قوم نوح وعاد وثمود ، وهذا ترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه في وقت الامتنان والإحسان قال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ [ مريم : 40 ] أي آتاكم الوجود ثم البقاء ووقت الخذلان بالطغيان قال : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الروم : 41 ] أي قلل رزقكم ، ثم قال تعالى : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي هو أعدمكم كم أعدم من قبلكم ، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء ، ويسلب منكم الوجود والبقاء ، وأما سلب البقاء فبإظهار الفساد ، وأما سلب الوجود فبالإهلاك ، وعند الإعطاء قدم الوجود على البقاء ، لأن الوجود أولا ثم البقاء ، وعند السلب قدم البقاء ، وهو الاستمرار ثم الوجود . وقوله : كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : أن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر وإن كان بغيره أيضا كالإهلاك بالفسق والمخالفة كما كان على أصحاب السبت الثاني : أن كل كافر أهلك لم يكن مشركا بل منهم من كان معطلا نافيا لكنهم قليلون ، وأكثر الكفار مشركون الثالث : أن العذاب العاجل لم يختص بالمشركين حين أتى ، كما قال تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] بل كان على الصغار والمجانين ، ولكن أكثرهم كانوا مشركين / ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 43 إلى 44 ] فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 )