فخر الدين الرازي

466

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النوع الثالث : قوله : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف ، ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ ( الريح ) و ( الرياح ) ، قال الزجاج : وفي ( نشرا ) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشرا بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ ( بشرا ) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [ الروم : 46 ] وأما بالنون فهو في معنى قوله : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً [ المرسلات : 3 ] وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر . المسألة الثانية : قوله : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب . وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الطهور ما هو ؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضا عن ثعلب ، وأنكر صاحب « الكشاف » ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية : صفة واسم غير صفة فالصفة قولك : ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار . حجه القول الأول قوله عليه السلام : « التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج » ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام : « طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا » ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى قال : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [ الأنفال : 11 ] فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهورا أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر . المسألة الرابعة : اعلم أن اللَّه تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما : ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان ، أما أمر النبات فقوله : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً ميتا ولم يقل ميتة ؟ الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله : فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [ فاطر : 9 ] . السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتا ، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها . السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين « 1 » وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء

--> ( 1 ) هكذا في الأصل وهو مخالف للقياس فإن النسبة لا تكون إلا للمفرد فالأولى أن يقول ( جماعة الطبيعيين ) نسبة للطبيعة ، وقد خطأ العلماء ذلك أيضا فقالوا : الصواب النسبة للطبع وللطبيعة . وحينئذ يكون الصواب أن يقال ( جماعة الطبيعيين ) وقد سبق المصنف إلى هذا أبو عثمان بن جني إمام أهل العربية فسمى كتابه بالتصريف الملوكي خروجا على القياس المقتضي كون التسمية التصريف الملكي فلعله من خطأ النساخ .