فخر الدين الرازي
397
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما ، ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه اللَّه تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله ، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر . المسألة السابعة : الآصال جمل أصل والأصل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع ، قال صاحب « الكشاف » بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرئ والإيصال وهو الدخول في الأصيل يقال آصل كأعتم وأظهر ، قال ابن عباس رحمهما اللَّه إن صلاة الضحى لفي كتاب اللَّه تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند اللَّه نزل يعد له في الجنة » و في رواية سهل بن سعد مرفوعا « من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيرا أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل اللَّه يرجع غانما » . المسألة الثامنة : اختلفوا في قوله تعالى : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ فقال بعضهم نفى كونهم تجارا وباعة أصلا ، وقال بعضهم بل أثبتهم تجارا وباعة وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات ، وهذا قول الأكثرين ، قال الحسن أما واللَّه إن كانوا ليتجرون ، ولكن إذا جاءت فرائض اللَّه لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة ، وعن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ، وعن ابن مسعود مثله ، واعلم أن هذا القول أولى من الأول ، لأنه لا يقال إن فلانا لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر ، وإن احتمل الوجه الأول وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : لما قال : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء والبيع إلا أنه / سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل ، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز ، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني : أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد ، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث : قال الفراء : التجارة لأهل الجلب ، يقال : اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده ، والبيع ما باعه على يديه . السؤال الثاني : لم خص الرجال بالذكر ؟ والجواب : لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات . المسألة التاسعة : اختلفوا في المراد بذكر اللَّه تعالى ، فقال قوم : المراد الثناء على اللَّه تعالى والدعوات ، وقال آخرون : المراد الصلوات ، فإن قيل فما معنى قوله : وَإِقامِ الصَّلاةِ ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما : قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني : يجوز أن يكون قوله : وَإِقامِ الصَّلاةِ تفسيرا لذكر اللَّه فهم يذكرون اللَّه قبل الصلاة وفي الصلاة . المسألة العاشرة : قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة [ 3 ] في قوله : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها ، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج ، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواما ، ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاما ،