فخر الدين الرازي
395
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الجزء الرابع والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ تتمة سورة النور ] [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 38 ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) [ في قوله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ إلى قوله لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ] اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ يقتضي محذوفا يكون فيها وذكروا فيه وجوه : أحدها : أن التقدير كمشكاة فيها مصباح فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين : الأول : أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن اللَّه لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة الثاني : أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحدا كقوله : كَمِشْكاةٍ وقوله : فِيها مِصْباحٌ وقوله : فِي زُجاجَةٍ وقوله : كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [ النور : 35 ] ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني : أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة اللَّه تعالى ، ولو أن رجلا قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره اللَّه سبحانه في هذه الآية وثانيها : التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن اللَّه أن ترفع وثالثها : وهو قول / أبي مسلم أنه راجع إلى قوله : وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ النور : 34 ] أي ومثلا من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن اللَّه أن ترفع ، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد ، وقد اقتص اللَّه أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب « 1 » بقوله : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] و كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ [ آل عمران : 37 ] فيقول : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن اللَّه أن ترفع ورابعها : قول
--> ( 1 ) ومن تسمية اللَّه تعالى للمساجد محاريب قوله تعالى في سورة سبأ [ 13 ] يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ الآية .