فخر الدين الرازي

289

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الثالث : العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وبين ما قبله ؟ الجواب : كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين ، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها ، تنبيها على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ [ الأحقاف : 26 ] تنبيها على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من اللَّه . واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه : أحدها : بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها ، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون ، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكرا وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان وثانيها : قوله : وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ قيل في التفسير خلقكم قال أبو مسلم : ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء : 3 ] فنقول : هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين ، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه ، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه لا بمعنى المكان وثالثها : قوله : وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ورابعها : قوله : وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ووجه النعمة بذلك معلوم ، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال : أَ فَلا تَعْقِلُونَ لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرئ أَ فَلا يَعْقِلُونَ . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 81 إلى 83 ] بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 ) اعلم أنه سبحانه لما أوضح القول في دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد فقال : بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ في إنكار البعث مع وضوح الدلائل ونبه بذلك على أنهم إنما أنكروا ذلك تقليدا للأولين وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين : أحدهما : قولهم : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ وهو مشهور وثانيهما : قولهم : لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ كأنهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه عليه الصلاة والسلام فقد وقع قديما من الأنبياء ، ثم لم يوجد مع طول العهد ، فظنوا أن الإعادة تكون في دار الدنيا ، ثم قالوا لما كان كذلك فهو من أساطير الأولين والأساطير جمع أسطار والأسطار جمع سطر أي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له ، وجمع أسطورة أوفق . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 84 إلى 90 ] قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 )