فخر الدين الرازي

283

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عذاب ربهم مشفقون ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته ، جادون في طلب مرضاته . والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، كان في نهاية الخوف من سخط اللَّه عاجلا ، ومن عقابه آجلا ، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي . الصفة الثانية : قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ واعلم أن آيات اللَّه تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده ، والإيمان بها هو التصديق بها ، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة ، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح ، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر ، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفا / بوجود الصانع وصفاته ، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهرا وذلك هو الإيمان . الصفة الثالثة : قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك للَّه تعالى لأن ذلك داخل في قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ بل المراد منه نفي الشرك الخفي ، وهو أن يكون مخلصا في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه اللَّه تعالى وطلب رضوانه واللَّه أعلم . الصفة الرابعة : قوله : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ معناه يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق اللَّه تعالى : كالزكاة والكفارة وغيرهما ، أو من حقوق الآدميين : كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل ، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره ، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفيها حقها في الأداء . وسألت عائشة رضي اللَّه عنها رسول صلى اللَّه عليه وسلم فقالت : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف اللَّه تعالى ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « لا يا ابنة الصديق ، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف اللَّه تعالى » . واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي . والصفة الثانية : دلت على ترك الرياء في الطاعات . والصفة الثالثة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا اللَّه سبحانه الوصول إليها ، فإن قيل : أفتقولون إن قوله : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ يرجع إلى يؤتون ، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال ؟ قلنا بل الأولى أن يرجع إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال ، إذ المراد أن يؤدي ذلك على وجل من تقصيره ، فيكون مبالغا في توفيته حقه ، فأما إذا قرئ والذين يأتون ما أتوا فالقول فيه أظهر ، إذ المراد بذلك أي شيء أتوه وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على إيمان وعمل ، فإنهم يقدمون عليه مع الوجل ، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بأنهم إلى ربهم راجعون ، أي للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال ، وأن هناك لا تنفع الندامة ، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك . ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات للمؤمنين