فخر الدين الرازي
260
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو اللَّه تعالى ، فإذا كان القلب محجوبا بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال اللَّه وكبريائه ، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول . وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم ، ولو جاز أن يكون تعظيما للَّه تعالى مع أنه غافل عنه ، لجاز أن يكون تعظيما للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه ، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عمادا للدين ، وفاصلا بين الكفر والإيمان ، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة ، ويجب القتل بسببه على الخصوص ، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها : أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معا . فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى ، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب : من وجوه : أحدها : أن الحضور عندنا ليس شرطا للأجزاء ، بل شرط للقبول ، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء ، والمراد من القبول حكم الثواب . والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب ، وغرضنا في هذا المقام هذا ، ومثاله في الشاهد من استعار منك ثوبا ثم رده على الوجه الأحسن ، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح ، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة ، ولكنه استحق الذم ، كذا من عظم اللَّه تعالى حال أدائه العبادة صار مقيما للفرض مستحقا للثواب ، ومن استهان بها صار مقيما للفرض ظاهرا لكنه استحق الذم وثانيها : أنا نمنع هذا الإجماع ، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع ، واحتجوا عليه بأن السجود للَّه تعالى طاعة وللصنم كفر ، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة ، / وفي الأخرى معصية ، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور ، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور ، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه اللَّه « تنبيه الغافلين » : أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر . وأما الغزالي رحمه اللَّه فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن رحمه اللَّه : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي أيضا مسندا قال عليه السلام : « إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » . وقال عبد الواحد بن زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز ، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها ، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، فاخترت الإمامة طلبا للخلاص عن هذا الاختلاف واللَّه أعلم .