فخر الدين الرازي

255

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

جاهدوا أولا فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في اللَّه حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في اللَّه لومة لائم والرابع : قال الضحاك : واعملوا للَّه حق عمله والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين اللَّه وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس : قال عبد اللَّه بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من غزوة تبوك قال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد . السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] كما أن قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] فكيف يقول اللَّه وجاهدوا في اللَّه على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه اللَّه بقوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [ الأنفال : 66 ] أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ . النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة : الأول : قوله : هُوَ اجْتَباكُمْ ومعناه أن التكليف تشريف من اللَّه تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير . أما قوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب اللَّه تعالى عنه بقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ روي أن أبا هريرة رضي اللَّه عنه قال كيف قال اللَّه تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة رضي اللَّه عنها : « سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق » . السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائم الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي اللَّه