فخر الدين الرازي
250
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند اللَّه لا يضل عنه ولا ينسى . المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير . أما قوله : إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ أنه محفوظ عنده والتالي وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه اللَّه في السماوات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات . أما قوله : إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها اللَّه تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى اللَّه عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ فبين أن عبادتهم لغير اللَّه تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة ، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرا ، وإن لم يعلم كونه كافرا ، ويدل أيضا على فساد التقليد . أما قوله : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من اللَّه كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم . أما قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت