فخر الدين الرازي

236

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : من الناس من قال : الرسول هو الذي حدث وأرسل ، والنبي هو الذي لم / يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم ، ومن الناس من قال : إن كل رسول نبي ، وليس كل نبي يكون رسولا ، وهو قول الكلبي والفراء . وقالت المعتزلة كل رسول نبي ، وكل نبي رسول ، ولا فرق بينهما ، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه : أحدها : هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلا ، وكذا قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ [ الأعراف : 94 ] ، وثانيها : أن اللَّه تعالى خاطب محمدا مرة بالنبي ومرة بالرسول ، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين ، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة وثالثها : أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين ورابعها : أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ وهو الخبر ، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع ، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة . أما القول الثاني : فاعلم أن شيئا من تلك الوجوه لا يبطله ، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول ، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص . وقال في موضع آخر وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ [ الزخرف : 6 ] وذلك يدل على أنه كان نبيا ، فجعله اللَّه مرسلا وهو يدل على قولنا : « وقيل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كم المرسلون ؟ فقال ثلاثمائة وثلاثة عشرة ، فقيل وكم الأنبياء ؟ فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الجم الغفير » إذا ثبت هذا فنقول : ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أمورا : أحدها : أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه ، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب ، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله والثاني : أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول ، ومن لم يكن مستجمعا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول ، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وداود وسليمان رسلا لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث : أن من جاءه الملك ظاهرا وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول ، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولا ، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول اللَّه ، فهو النبي الذي لا يكون رسولا وهذا هو الأولى .