فخر الدين الرازي

232

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين : أحدهما : أن عند اللَّه حد [ ا ] من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني : أن اللَّه لا يعذب قوما حتى يعلم أن أحدا منهم لا يؤمن ، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم اللَّه أن أحدا منهم لا يؤمن ، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب اللَّه دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ [ يوسف : 110 ] أي من إجابة القوم ، وقوله لنوح : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] وإذا عذبهم اللَّه تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا * [ هود : 66 ] أي بالعذاب نجينا هودا ، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة ، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير ؟ قلنا إذا كان رادعا لغيره وصادعا له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيرا . أما قوله : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قوله : فَكَأَيِّنْ فكم على وجه التكثير ، وقيل أيضا معناه ، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر ، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالا وإن لم يذكر مفصلا . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة أَهْلَكْناها بالنون ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أهلكتها وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ . المسألة الثالثة : قوله : أَهْلَكْناها أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا ، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية ، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب . أما قوله وهي : خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ففيه سؤالان : السؤال الأول : ما معنى هذه اللفظة ؟ فقال صاحب الكشاف : كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش ، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من / خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فإن فسرنا الخاوي بالساقط ، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي خرت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبرا بعد خبر ، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها ، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلا للاعتبار . السؤال الثاني : ما محل هاتين الجملتين من الإعراب . أعني وَهِيَ ظالِمَةٌ ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها الجواب : الأولى : في محل النصب على الحال والثانية : لا محل لها لأنها مقطوعة على ( أهلكناها ) وهذا الفعل ليس له محل . قال أبو مسلم : المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية . أما قوله : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الحسن مُعَطَّلَةٍ من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء