فخر الدين الرازي

210

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 14 إلى 16 ] إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 14 ) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ( 15 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ( 16 ) اعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال معبودهم ، بين في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم ، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه ، وأما معبودهم فلا يضر ولا ينفع . وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة ، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 173 ] واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ قالوا : أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة ( ما ) للعموم فوجب أن يكون فاعلا للإيمان لقوله : إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أجاب الكعبي عنه بأن اللَّه تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره . والجواب : أن قوله ما يُرِيدُ أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص . أما قوله : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فالهاء إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي ، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر اللَّه محمدا صلى اللَّه عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته / وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه والرسول صلى اللَّه عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا والإيمان لا يتم إلا باللَّه ورسوله فيجب البحث هاهنا عن أمرين : أحدهما : أنه من الذي كان يظن أن اللَّه تعالى لا ينصر محمدا صلى اللَّه عليه وسلم ؟ والثاني : أنه ما معنى قوله : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ؟ . أما البحث الأول : فذكروا فيه وجوها : أحدها : كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد اللَّه رسوله من النصر فنزلت هذه الآية . وثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن اللَّه لا ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا . وثالثها : أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره اللَّه وأن لا يعليه على أعدائه ، فمتى شاهدوا أن اللَّه نصره غاظهم ذلك . وأما البحث الثاني : فاعلم أن في لفظ السبب قولين : أحدهما : أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت ، ومنهم من قال هو السماء في الحقيقة ، فقالوا المعنى : من كان يظن أن لن ينصره اللَّه ، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ