فخر الدين الرازي
38
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] . وسادسها : فتيلة الشكر : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . وسابعها : دهن الرضا : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [ الطور : 48 ] أي ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [ فاطر : 2 ] ثم اطلبها بالخشوع والخضوع : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [ طه : 108 ] فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فهنالك تسمع ؛ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى [ طه : 36 ] ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه : أحدها : الشمس تحجبها غمامة وشمس المعرفة لا يحجبها السماوات السبع : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] . وثانيها : الشمس تغيب ليلا وتعود نهارا قال إبراهيم عليه السلام : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً [ المزمل : 6 ] وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [ آل عمران : 17 ] بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] . وثالثها : الشمس تفنى : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] وشمس المعرفة لا تفنى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . ورابعها : الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما هاهنا فشمس المعرفة وهي معرفة أشهد أن لا إله إلا اللَّه ما لم يقابلها قمر أشهد أن محمدا رسول اللَّه لم يصل نوره إلى عالم الجوارح . وخامسها : الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيضها : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] . وسادسها : الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الحرق ، جزيا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي . وسابعها : الشمس تصدع والمعرفة تصعد : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] . وثامنها : الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في العقبى : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ * [ الكهف : 46 ] . وتاسعها : الشمس في السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة في الأرض زينة لأهل السماء . وعاشرها : الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى وذلك يدل على الحسد مع التكبر ، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى ، وذلك يدل على التواضع مع الشرف . وحادي عشرها : الشمس تعرف أحوال الخلق وبالمعرفة يصل القلب إلى الخالق . وثاني عشرها : الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال موسى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وأما النكت : فإحداها : الشمس سراج استوقدها اللَّه تعالى للفناء : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] والمعرفة استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق : شِهاباً رَصَداً [ الجن : 9 ] والمعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وثانيتها : استوقد اللَّه الشمس في السماء وإنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك ، وأوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك . وثالثتها : من استوقد سراجا فإنه لا يزال يتعهده ويمده واللَّه تعالى هو الموقد لسراج المعرفة : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ [ الحجرات : 7 ] أفلا يمده وهو معنى قوله : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . ورابعتها : اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه واللَّه قد أوقد سراج المعرفة في / قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وخامستها : المجوس أوقدوا نارا فلا يريدون إطفاءها والملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه ، واعلم أنه سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات ، أحدها : الحياة : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة الروحانية قال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ثم