فخر الدين الرازي
26
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
على غنمه ، يهش بضم الهاء في المستقبل ، وهششت الرجل أهش بفتح الهاء في المستقبل ، وهش الرغيف يهش بكسر الهاء . قاله ثعلب ، وقرأ عكرمة : ( وأهس ) بالسين غير المنقوطة ، والهش زجر الغنم ، واعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه في قوله : أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها ثم بمصالح رعيته في قوله : وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي فكذلك في القيامة يبدأ بنفسه فيقول : نفسي نفسي ومحمد صلى اللَّه عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا إلا بإصلاح أمر الأمة : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضا بأمته فيقول : « أمتي أمتي » . والرابع : قوله : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى أي حوائج ومنافع واحدتها مأربة بفتح الراء وضمها ، وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضا ، والأرب بفتح الراء ، والإربة بكسر الألف وسكون الراء الحاجة ، وإنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال : جماعة من الحاجات أخرى ولو جاءت أخر لكان صوابا كما قال : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ * [ البقرة : 184 ] ثم هاهنا نكت . إحداها : أنه لما سمع قول اللَّه تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ عرف أن للَّه فيه أسرارا عظيمة فذكر ما عرف وعبر عن البواقي التي ما عرفها إجمالا لا تفصيلا بقوله : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى . وثانيها : أن موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة . فقال موسى : إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ، لكنك لما سألت عنها عرفت أن لي فيها مآرب أخرى ومن جملتها أنك كلمتني بسببها فوجدت هذا الأمر العظيم الشريف بسببها . وثالثها : أن موسى عليه السلام أجمل رجاء أن يسأل ربه عن تلك المآرب فيسمع كلام اللَّه مرة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك . ورابعها : أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه وتشوش فكره فأجمل مرة أخرى ، ثم قال وهب : كانت ذات شعبتين كالمحجن ، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا حاول كسره لواه بالشعبتين ، [ و ] إذا سار وضعها على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس والكنانة والثياب ، وإذا كان في البرية ركزها وألقى كساء عليها فكانت ظلا . وقيل : كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا ويصيران شمعتين في الليالي ، وإذا ظهر عدو حاربت عنه . وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت . وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نصب وكانت تقيه الهوام . واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذه الجوابات أمره اللَّه تعالى بإلقاء العصا فقال : أَلْقِها يا مُوسى وفيه نكت ، إحداها : أنه عليه السلام لما قال : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى أراد اللَّه أن يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائر مآربه فقال : أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى . وثانيتها : كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا ، والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فقال أولا : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] إشارة إلى ترك الهرب ، ثم قال ألقها يا موسى وهو إشارة إلى ترك الطلب . كأنه سبحانه قال : إنك ما دمت في مقام الهرب والطلب كنت مشتغلا بنفسك / وطالبا لحظك فلا تكون خالصا لمعرفتي فكن تاركا للهرب والطلب لتكون خالصا لي . وثالثتها : أن موسى عليه السلام مع علو درجته ، وكمال منقبته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا النعلان والعصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه . ورابعها : أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم كان مجردا عن الكل ما زاغ البصر فلا جرم وجد الكل ، لعمرك أما موسى لما بقي معه تلك العصا لا جرم أمره بإلقاء العصا ، واعلم أن الكعبي تمسك به في أن الاستطاعة قبل الفعل فقال : القدرة على إلقاء العصا ، إما أن توجد والعصا في يده أو خارجة من يده فإن أتته القدرة وهي في يده فذاك قولنا : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * [ آل عمران : 182 ] وإذا