فخر الدين الرازي

13

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] هو لا إله إلا اللَّه : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [ إبراهيم : 27 ] عن قول لا إله إلا اللَّه . وثالثها : أن موسى بن عمران عليه السلام قال : « يا رب علمني شيئا أذكرك به ، قال : قل لا إله إلا اللَّه قال كل عبادك يقولون لا إله إلا اللَّه ! فقال : قل لا إله إلا اللَّه قال إنما أردت شيئا تحصني به ! قال يا موسى لو أن السماوات السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا اللَّه في كفة لمالت بهن لا إله إلا اللَّه » . البحث الرابع : في إعرابه قالوا كلمة لا هاهنا دخلت على الماهية ، فانتفت الماهية ، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية . وأما اللَّه فإنه اسم علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملا للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد ، فقالوا : لا استحقت عمل أن لمشابهتها لها من وجهين ، أحدهما : ملازمة الأسماء ، والآخر تناقضهما فإن أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي ، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم ، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا : إن زيدا ذاهب كان يجب أن يقولوا لا رجلا ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على الفتح ، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسما واحدا ، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقا بين الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء . الثاني : خبره محذوف والأصل لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على الماهية . البحث الخامس : قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب ، فإن السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم هاهنا السلب على الثبوت . وجوابه : أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه . القسم الثاني : من الكلام في الآية البحث عن أسماء اللَّه تعالى وفيه أبحاث : البحث الأول : قال عليه السلام : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها الناس أنا جعلت لكم نسبا وأنتم جعلتم لأنفسكم نسبا ، أنا جعلت أكرمكم عندي أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ! » ، واعلم أن الأشياء في قسمة العقول على ثلاثة أقاسم : كامل لا يحتمل النقصان ، وناقص لا يحتمل الكمال ، وثالث يقبل الأمرين ، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو اللَّه تعالى وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ [ التحريم : 6 ] ومن صفاتهم أنهم : عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] ومن / صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، وأما الناقص الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم ، وأما الذي يقبل الأمرين جميعا فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] وتارة في التسفل بحيث يقال : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 5 ] وإذا كان كذلك استحال أن يكون الإنسان كاملا لذاته ، وما لا يكون كاملا لذاته استحال أن يصير موصوفا بالكمال إلى أن يصير منتسبا إلى الكامل لذاته . لكن الانتساب قسمان : قسم يعرض للزوال وقسم لا يكون يعرض للزوال . أما الذي يكون يعرض للزوال ، فلا فائدة فيه ومثاله الصحة والمال والجمال ، وأما الذي لا يكون يعرض للزوال فعبوديتك للَّه تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال ، والمنتسب إليه وهو الحق سبحانه لا يقبل الخروج عن صفة الكمال . ثم إذا كنت من بلد أو منتسبا إلى قبيلة فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة والقبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي فلأن تشتغل بذكر اللَّه تعالى ونعوت كبريائه بسبب الانتساب