فخر الدين الرازي

502

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : لقاء اللّه عبارة عن رؤيته بدليل أنه يقال : لقيت فلانا أي رأيته ، فإن قيل : اللقاء عبارة عن الوصول ، قال تعالى : فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر : 12 ] وذلك في حق اللّه تعالى محال ، فوجب حمله على لقاء ثواب اللّه ، والجواب أن لفظ اللقاء ، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول والملاقاة إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور ، والذي يقولونه من أن المراد منه لقاء ثواب اللّه فهو لا يتم إلا بالإضمار ، ومن المعلوم أن حمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج معه إلى الإضمار . المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بقوله تعالى : فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ على أن القول بالإحباط والتكفير حق ، وهذه المسألة قد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة فلا نعيدها ، ثم قال تعالى : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً وفيه وجوه . الأول : أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار . الثاني : لا نقيم لهم ميزانا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين لتمييز مقدار الطاعات ومقدار السيئات . الثالث : قال القاضي : إن من غلبت معاصيه صار ما في فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعته . وهذا التفسير بناء على قوله بالإحباط والتكفير ، ثم قال تعالى : ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ فقوله : ذلِكَ أي ذلك الذي ذكرناه وفصلناه من أنواع الوعيد هو جزاؤهم على أعمالهم الباطلة ، وقوله : جَهَنَّمُ عطف بيان لقوله : جَزاؤُهُمْ ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين : أحدهما : كفرهم . الثاني : أنهم أضافوا إلى / الكفر أن اتخذوا آيات اللّه واتخذوا رسله هزوا ، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم حتى استهزءوا بهم . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 107 إلى 108 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ( 107 ) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ( 108 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ، ولما ذكر في الكفار أن جهنم نزلهم ، أتبعه بذكر ما يرغب في الإيمان والعمل الصالح . فقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . المسألة الثانية : عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للإيمان . المسألة الثالثة : عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها ، وعن كعب ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس ، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، وعن مجاهد الفردوس هو البستان بالرومية ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة ، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها ، فإذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة » . المسألة الرابعة : قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين والكريم إذا أعطى النزل أولا فلا