فخر الدين الرازي
485
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الظاهر من غير دليل وإنه لا يجوز . وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله تعالى : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً استبعد حصول الصبر على ما لم يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعدا لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ، ولما حكم اللّه باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . ثم حكى اللّه تعالى عن موسى أنه قال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة اللّه الأنبياء بهذه الآية فقالوا : إن الخضر قال لموسى : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وقال موسى : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي / لَكَ أَمْراً وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام ، والجواب أن يحمل قوله : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه . المسألة الثانية : لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً معناه ستجدني صابرا إن شاء اللّه كوني صابرا ، وهذا يقتضي وقوع الشك في أن اللّه هل يريد كونه صابرا أم لا . ولا شك أن الصبر في مقام التوقف واجب ، فهذا يقتضي أن اللّه تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه ، وهذا يدل على صحة قولنا : إن اللّه تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده ، قالت المعتزلة : هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل ؟ المسألة الثالثة : قوله تعالى : وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية ، والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ الجن : 23 ] وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب . المسألة الرابعة : قول الخضر لموسى عليه السلام : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً نسبة إلى قلة العلم والخبر ، وقول موسى له : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد ، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير . فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدئ لتعليمك إياه وإخبارك به ، وفي قراءة ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء . وروى عنه لا تسألني مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع ، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 71 إلى 73 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 72 ) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( 73 )