فخر الدين الرازي
269
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] فلهذا السبب أمر اللّه تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن الوسوسة . المسألة الثانية : قوله : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ خطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلا أن المراد به الكل ، لأن الرسول لما كان محتاجا إلى الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها . المسألة الثالثة : الفاء في قوله : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ للتعقيب فظاهر هذه الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين قال الواحدي : وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا : والفائدة فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق به ثوابا عظيما ، فإن لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه ، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصونا عن الإحباط . أما الأكثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة ، وقالوا : معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، وليس معناه استعذ بعد القراءة ، ومثله إذا أكلت فقل : بِسْمِ اللَّهِ * وإذا سافرت فتأهب ، ونظيره قوله تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [ المائدة : 6 ] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا ، وأيضا لما ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرسول بدليل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] ومن الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس ، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الاستعاذة . المسألة الرابعة : مذهب عطاء : أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت القراءة / في الصلاة أو غيرها ، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس كذلك ، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة ، فصلاته ماضية ، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة آكد . المسألة الخامسة : المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس ، والأقرب أنه للجنس ، لأن لجميع المردة من الشياطين حظا في الوسوسة . واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس ، فأزال اللّه تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة فقال : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفا ، وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة اللّه تعالى ، ولهذا المعنى قال المحققون : لا حول عن معصية اللّه تعالى إلا بعصمة اللّه ، ولا قوة على طاعة اللّه إلا بتوفيق اللّه تعالى ، والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . ثم قال : إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ قال ابن عباس : يطيعونه يقال : توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه : وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ الضمير في قوله : ( به ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه راجع إلى ربهم . والثاني : أنه راجع إلى الشيطان والمعنى بسببه ، وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها ، فكذلك قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ أي من أجله ومن أجل حمله إياهم على الشرك باللّه صاروا مشركين .