فخر الدين الرازي
258
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
غيرهم . الثاني : أنه قال : فِي كُلِّ أُمَّةٍ فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة ، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد ، وذلك لأن كونهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه . ثم قال تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال : وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة . المسألة الثانية : من الناس من قال : القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن العلوم إما دينية أو غير دينية ، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها بهذه الآية ، لأن من المعلوم بالضرورة أن اللّه تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملا على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات إليه ، وأما علوم الدين فإما الأصول ، وإما الفروع ، أما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب ، وذلك يدل على أنه لا تكليف من اللّه تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلا ، وكان القرآن وافيا ببيان كل الأحكام ، وأما الفقهاء فإنهم قالوا : القرآن إنما كان تبيانا لكل شيء ، لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة ، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن ، وهذه المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الأعراف ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : روى الواحدي بإسناده عن الزجاج أنه قال : تبيانا في معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء ، وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين أنهم قالوا : لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبيانا وتلقاء ، وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت : في كل / مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار ، وقلت : في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تقصار وتمثال . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 90 ] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) [ في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ] واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب أتبعه بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكليف فرضا ونفلا ، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في بيان فضائل هذه الآية روي عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال : ما أسلمت أولا إلا حياء من محمد عليه السلام ولم ؟ ؟ يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال : « بينما أنا أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال : يا محمد إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان ، العدل شهادة أن لا إله إلا اللّه والإحسان القيام بالفرائض وإيتاء ذي القربى ، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء الزنا ، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة » . قال عثمان : فوقع الإيمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال : يا معشر قريش