فخر الدين الرازي

255

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا : الدلالة على أن إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة ، لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر . وفي المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : قال القاضي : المراد بها جميع ما ذكره اللّه تعالى في الآيات المتقدمة من جميع أنواع النعم ، ومعنى أنهم أنكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة ، بل شكروا على تلك النعم غير اللّه تعالى ولأنهم قالوا : إنما حصلت هذه النعم بشفاعة / هذه الأصنام . والثاني : أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم حق ثم ينكرونها ، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ . الثالث : يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها ، أي لا يستعملونها في طلب رضوان اللّه تعالى . ثم قال تعالى : وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ . فإن قيل : ما معنى قوله ، وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ مع أنه كان كلهم كافرين . قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال : وَأَكْثَرُهُمُ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف أو كان ناقص العقل معتوها ، فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء . الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند ، وحينئذ نقول إنما قال : وَأَكْثَرُهُمُ لأنه كان فيهم من لم يكن معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبيا من عند اللّه . الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع ، لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل ، فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * [ لقمان : 25 ] واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 84 إلى 85 ] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 ) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 85 ) اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة اللّه ثم أنكروها وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم القيامة فقال : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وذلك يدل على أن أولئك الشهداء يشهدون عليهم بذلك الإنكار وبذلك الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء الأنبياء كما قال تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] وقوله : ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا فيه وجوه : أحدها : لا يؤذن لهم في الاعتذار لقوله : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 36 ] . وثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . وثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف . ورابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود ، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . وخامسها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام ليظهر لهم كونهم / آيسين من رحمة اللّه تعالى . ثم قال : وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ الاستعتاب طلب العتاب ، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان على جزم أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضا ، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه راسخ في غضبه وسطوته ، ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال : وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه ، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب وَلا هُمْ أيضا يُنْظَرُونَ أي لا يؤخرون ولا يمهلون ، لأن التوبة هناك غير موجودة ، وتحقيقه ما يقوله المتكلمون من أن العذاب يجب أن يكون خالصا عن شوائب النفع ، وهو المراد من قوله : فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ العذاب [ البقرة : 162 ] ويجب أن يكون العذاب دائما وهو المراد من قوله : وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ .