فخر الدين الرازي
249
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
العدل وبين الجور . فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما ، وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم ، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه ، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير . ثم قال تعالى : وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، فكذا هاهنا واللّه أعلم . المسألة الثانية : في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم . فالقول الأول : قال مجاهد : كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل . وأما الأبكم فمثل الصنم ، لأنه لا ينطق البتة وكذلك لا يقدر على شيء ، وأيضا كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه ، وأيضا إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير ، وأما الذي يأمر بالعدل فهو اللّه سبحانه وتعالى . والقول الثاني : أن المراد من هذا الأبكم : هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام ، وما كان فيه خير ، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل ، وكان على الدين القويم والصراط المستقيم . والقول الثالث : أن المقصود منه : كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة ، وهذا القول أولى من القول الأول ، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن ، وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على اللّه تعالى ، وأيضا فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور ، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى . وأما القول الثاني : فضعيف أيضا ، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة ، وذلك غير مختص بشخص معين ، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود . واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 77 إلى 79 ] وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) [ في قوله تعالى وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون آمرا بالعدل ، وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة ، وذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في العلم والقدرة ، أما بيان كمال العلم فهو قوله : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمعنى : علم اللّه غيب السماوات والأرض وأيضا فقوله : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفيد الحصر معناه : أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا للّه وأما بيان كمال القدرة فقوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ