فخر الدين الرازي
236
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ في قوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ] اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم ، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة ، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا حكيما ، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ يقال وحى وأوحى ، وهو الإلهام ، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر ، وبيانه من وجوه : الأول : أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية ، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار . والثاني : أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة ، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة ، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة / من الأعاجيب . والثالث : أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية ، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية ، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك أيضا من الأعاجيب . والرابع : أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر ، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى ، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها ، وهذا أيضا حالة عجيبة ، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي ، لا جرم قال تعالى في حقها : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ . واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] وفي حق الأولياء أيضا قال تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ [ المائدة : 111 ] وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ القصص : 7 ] وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص . واللّه أعلم . المسألة الثانية : قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا ، لأن اللّه تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها اللّه تعالى ، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء . ثم قال تعالى : أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : أَنِ اتَّخِذِي هي « أن » المفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول ، وقرئ : بيوتا بكسر الباء وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أي يبنون ويسقفون ، وفيه لغتان قرئ بهما ، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون . واعلم أن النحل نوعان :