فخر الدين الرازي

230

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مثل أجرب ، أي صار ذا جرب والمعنى : أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها . وأما قراءة قوله : مُفْرَطُونَ بفتح الراء ففيه قولان : القول الأول : المعنى : أنهم متروكون في النار . قال الكسائي : يقال ما أفرطت من القوم أحدا ، أي ما تركت . وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ناسا ، أي خلفتهم وأنسيتهم . والقول الثاني : مُفْرَطُونَ أي معجلون . قال الواحدي رحمه اللّه : وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره : فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان ، وأفرط القوم الفارط ، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله : مُفْرَطُونَ على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ، فقال : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم . قالت المعتزلة : الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه : الأول : أنه إذا كان خالق أعمالهم هو اللّه تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني : أن ذلك التزيين لما كان بخلق اللّه تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث : أن التزيين هو الذي يدعو الإنسان إلى الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق اللّه تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا . والرابع : أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل ، أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي إليه . والخامس : أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو اللّه تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا . وجوابه : إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان ، فمزين تلك الوساوس في عين / الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل . وإن كان هو اللّه تعالى فهو المطلوب . ثم قال تعالى : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وفيه احتمالان : الأول : أن المراد منه كفار مكة وبقوله : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك ، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة . الثاني : أنه أراد باليوم يوم القيامة ، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة ، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم ، والمقصود من قوله : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر ، وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم ، ورأوا أنه لا مخلص له منه ، كما لا مخلص لهم منه ، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم : هذا وليكم اليوم على وجه السخرية ، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة وأزاح العلة فقال : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى : أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو الدين مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة .