فخر الدين الرازي
228
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ الحج : 78 ] وكقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] وكقوله عليه السلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » و كقوله : « ملعون من ضر مسلما » فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة ، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعا في حقه ، لأن المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول / جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة ، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل : لأن هذا الأصل يغني عنه ، والثاني باطل ، لأن النص راجح على القياس ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا للّه تعالى ، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم ، وما أضافه إلى نفسه . فقال : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ وأيضا فلو كان خلقا للّه تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من اللّه تعالى ، ولما منع اللّه تعالى العباد من الظلم في هذه الآية ، فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن قوله : بِظُلْمِهِمْ الباء فيه تدل على العلية كما في قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ * [ الأنفال : 13 ] . واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . واللّه أعلم . المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟ والجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أنا لا نسلم أن قوله : ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب . وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم اللّه بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن . والوجه الثاني : أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام . والوجه الثالث : أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : أنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : لا واللّه بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب . والجواب الثاني : أن المراد من قوله : ما ترك على ظهرها من دابة أي ما ترك على ظهرها من كافر ،