فخر الدين الرازي

221

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مفعولة للّه لأجله ولغرض طاعته ، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها للّه أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب . ثم قال بعده : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً الدين هاهنا الطاعة ، والواصب الدائم . يقال : وصب الشيء يصب وصوبا إذا دام ، قال تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ [ الصافات : 9 ] ويقال : واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها . ويقال للعليل واصب ، ليكون ذلك المرض لازما له . قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فإن طاعته واجبة أبدا . واعلم أن قوله : واصِباً حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . وأقول : الدين قد يعني به الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب أي انقادت . فقوله : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أي انقياد كل ما سواه له لازم أبدا ، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجا إلى السبب في طرفي الوجود والعدم والماهيات يلزمها الإمكان لزوما ذاتيا ، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا ، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد للّه تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير . وأقول : في الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح ، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب ؟ قال المحققون : إنه محتاج لأن علة الحاجة هي / الإمكان والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلا للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه ، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها . إذا عرفت هذا فقوله : وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه : أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص ، وقوله : وَلَهُ الدِّينُ واصِباً معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائما أبدا ، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص ، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة . ثم قال تعالى : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ والمعنى : أنكم بعد ما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه ، ومحتاج إليه أيضا في وقت دوامه وبقائه ، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير اللّه تعالى أو رهبة عن غير اللّه تعالى ؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . ثم قال : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير اللّه ، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا اللّه تعالى ، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة ، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من اللّه تعالى لقوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحدا إلا اللّه وأن لا يشكر أحدا إلا اللّه تعالى .