فخر الدين الرازي
207
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
هذا العلم الضروري ، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان : الوجه الأول : أنه وعد حق على اللّه تعالى ، فوجب تحقيقه ، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعدا حقا على اللّه تعالى ، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي ، وبين المحق والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس . والوجه الثاني : في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدا للأشياء ومكونا لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشيئته ، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الابتداء وجب أن يكون قادرا عليه في الإعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق ، والقوم إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضا طعنهم في النبوة . واللّه أعلم . المسألة الثانية : قوله : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ حكاية عن الذين أشركوا ، وقوله : بَلى إثبات لما بعد النفي ، أي بلى يبعثهم ، وقوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه ، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث ، وقوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه . ثم قال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : قوله : كُنْ إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال ، وإن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون ، وليس خطابا للمعدوم ، لأن ما أراده اللّه تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع ، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السماوات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم . المسألة الثانية : قوله تعالى : قَوْلُنا مبتدأ و أَنْ نَقُولَ خبره و كُنْ فَيَكُونُ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف . المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر والكسائي فَيَكُونُ بنصب النون ، والباقون بالرفع قال الفراء : القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله : أَنْ نَقُولَ لَهُ كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال : إن زيدا يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما مبتدأ ، وأم القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على أن نقول ، والمعنى : أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين ، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصبا على جواب