فخر الدين الرازي

205

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في بيان أن الهدى والضلال من اللّه بقوله : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل والأمم آمرا بالإيمان وناهيا عن الكفر . ثم قال : فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ يعني : فمنهم من هداه اللّه إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر اللّه تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض . أجاب الجبائي : بأن المراد : فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ لنيل ثوابه وجنته . وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : حَقَّتْ عَلَيْهِ دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضا قال تعالى بعده : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم اللّه تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال . وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ أي من اهتدى فكان في حكم اللّه مهتديا ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من اللّه أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [ إبراهيم : 27 ] . واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من اللّه تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى الإعادة . واللّه أعلم . المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون اللّه ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم . المسألة الخامسة : قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ يدل على مذهبنا ، لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلا لا نقلب خبر اللّه الصدق كذبا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالا ، ووجود الضلالة منهم واجبا عقلا ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة واللّه علم . ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 96 ] وقوله : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يس : 7 ] . ثم قال تعالى : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ والمعنى : سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي ، فقال : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فإن اللّه لا يهدي من يضل ، وفيه مسائل :