فخر الدين الرازي

202

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والقول الثاني : أن قوله : فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق بقوله : حَسَنَةٌ والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح اللّه عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] . وأما قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ الأنعام : 32 ] بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله : جَنَّاتُ عَدْنٍ ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار « هي » كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين / قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالابتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . المسألة الثانية : قوله : جَنَّاتُ يدل على القصور والبساتين وقوله : عَدْنٍ يدل على الدوام ، وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : 71 ] لأن هذين القسمين داخلان في قوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا . ثم قال تعالى : كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ [ إلى آخره الآية ] أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ وهذا مذكور في مقابلة قوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ النحل : 28 ] وقوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ صفة للمتقين في قوله : كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ وقوله : طَيِّبِينَ كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله