فخر الدين الرازي
92
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
العالية ، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي ، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث إنها من المولى ، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال ، ولذلك قال بعض المحققين : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني ، ومن آثر العرفان لا للعرفان ، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول ، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره اللّه تعالى في هذا الكتاب مثال هاد إلى عالم القدس ، وحضرة الجلال ، وسرادقات الكبرياء ، فنسأل اللّه تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب ، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاما لا بأس به ، فقال : إنما مثل اللّه سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة ، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة ، إلا بثلاثة أشياء : عرق راسخ ، وأصل قائم ، وأغصان عالية . كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء : معرفة في القلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان . واللّه أعلم . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : في نصب قوله : كَلِمَةً طَيِّبَةً وجهان : الأول : أنه منصوب بمضمر والتقدير : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا . الثاني : قال ويجوز أن ينتصب مثلا . وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى جعلها مثلا ، وقوله : كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هي كشجرة طيبة . الثالث : قال صاحب « حل العقد » أظن أن الأوجه أن يجعل قوله : كَلِمَةً عطف بيان ، والكاف في قوله : كَشَجَرَةٍ في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة . المسألة الثالثة : قال ابن عباس : الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا اللّه ، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب « الكشاف » : إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها ، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء تُؤْتِي أي هذه الشجرة أُكُلَها أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين ، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر ، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال : نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين ، فقال : الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ وقال مجاهد وابن زيد : سنة ، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة . وقال سعيد بن المسيب : شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . وقال الزجاج : جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من قوله : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا . قالوا : والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة . وأقول : هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية ، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود ، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه ، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ، واختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب ، واللّه أعلم بالأمور . ثم قال : وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ والمعنى : أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام