فخر الدين الرازي

9

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كمال العقل فلهذا قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وقال في الآية المتقدمة : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ الرعد : 3 ] فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل اللّه العظيم أن يجعل الوقوف عليها سبباً للفوز بالرحمة والغفران . المسألة الثانية : قوله : وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قال أبو بكر الأصم : أرض قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة ، وأخرى سبخة ، وأخرى حرة ، وأخرى رملة ، وأخرى تكون حصباء ، وأخرى تكون حمراء ، وأخرى تكون سوداء . وبالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم ، وفي بعض المصاحف ( قطعاً متجاورات ) والتقدير : وجعل فيها رواسي وجعل في الأرض قطعاً متجاورات . وأما قوله : وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ فنقول : الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع وتحفه تلك الأشجار والدليل عليه قوله تعالى : جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً [ الكهف : 32 ] قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم : وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ كلها بالرفع عطفاً على قوله ( وجنات ) والباقون بالجر عطفاً على الأعناب . وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس : ( صنوان ) بضم الصاد والباقون بكسر الصاد وهما لغتان ، والصنوان جمع صنو مثل قنوان وقنو ويجمع على أصناء مثل اسم وأسماء . فإذا كثرت فهو الصني ، والصني بكسر الصاد وفتحها ، والصنو أن يكون الأصل واحداً وتنبت فيه النخلتان والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو . وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي : / الصنو المثل ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إن عم الرجل صنو أبيه » أي مثله . إذا عرفت هذا فنقول : إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى : أن النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر ومنها ما لا يكون كذلك ، وإذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة ، وقد لا تكون كذلك . ثم قال تعالى : تسقى بماء واحد قرأ عاصم وابن عامر ( يُسْقى ) بالياء على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث ، والباقون بالتاء لقوله : ( جَنَّاتٌ ) قال أبو عمرو : ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى : وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قرأ حمزة والكسائي ( يفضل ) بالياء عطفاً على قوله : يُدَبِّرُ [ الرعد : 2 ] ، ويفضل [ الرعد : 2 ] ، و يُغْشِي [ الرعد : 3 ] ، والباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل ، و فِي الْأُكُلِ قولان : حكاهما الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل ، وحكي عن غيره أن الأكل المهيأ للأكل ، وأقول هذا أولى لقوله تعالى في صفة الجنة : أُكُلُها دائِمٌ [ الرعد : 35 ] وهو عام في جميع المطعومات وابن كثير ونافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن ، والباقون بضم الكاف وهما لغتان . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ] وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ ذكر بعده مسألة المعاد فقال : وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ وفيه أقوال :