فخر الدين الرازي

78

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي ثم عطف عليه قوله : وَخافَ وَعِيدِ فهذا يقتضي أن يكون الخوف من اللّه تعالى مغايرا للخوف من وعيد اللّه ، ونظيره : أن حب اللّه تعالى مغاير لحب ثواب اللّه ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق . ثم قال : وَاسْتَفْتَحُوا وفيه مسألتان : المسألة الأولى : للاستفتاح هاهنا معنيان : أحدهما : طلب الفتح بالنصرة ، فقوله : وَاسْتَفْتَحُوا أي واستنصروا اللّه على أعدائهم ، فهو كقوله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ الأنفال : 19 ] . والثاني : الفتح الحكم والقضاء ، فقول ربنا : وَاسْتَفْتَحُوا أي واستحكموا اللّه وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 89 ] . إذا عرفت هذا فنقول : كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا اللّه ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم : قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] وقال موسى : رَبَّنَا اطْمِسْ [ يونس : 88 ] الآية . وقال لوط : رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [ العنكبوت : 30 ] وأما على القول الثالث : وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] . وكقول آخرين ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ العنكبوت : 29 ] . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : قوله : وَاسْتَفْتَحُوا معطوف على قوله : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ وقرئ واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله : لَنُهْلِكَنَّ أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم : لَنُهْلِكَنَّ وقال لهم اسْتَفْتَحُوا . ثم قال تعالى : وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : إن قلنا : المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وهم قومهم ، وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل . المسألة الثانية : الجبار هاهنا المتكبر على طاعة اللّه تعالى وعبادته . ومنه قوله تعالى : وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا [ مريم : 14 ] قال أبو عبيدة عن الأحمر : يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والتجبار والجبرياء . قال الواحدي : فهي ثمان لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأمرها أمرا فأبت عليه فقال : « دعوها فإنها جبارة » أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل : العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية يقال : فلان يمشي عندا ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضا ، وعاند فلان فلانا إذا جانبه وكان منه على ناحية .