فخر الدين الرازي
54
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللّه تعالى ، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى : فلله جزاء المكر ، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين اللّه تعالى أنه يجازيهم على مكرهم . قال الواحدي : والأول أظهر لقولين بدليل قوله : يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة للّه تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فكل ما علم اللّه وقوعه فهو واجب الوقوع ، وكل ما علم اللّه عدمه كان ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك ، فكان الكل من اللّه تعالى . قالت المعتزلة : الآية الأولى إن دلت على قولكم فالآية الثانية وهي قوله : يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ دلت على قولنا ، لأن الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة ، ولو كان حدوث الفعل بخلق اللّه تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر ، فوجب أن لا يكون للعبد كسب . وجوابه : أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا التقدير فالكسب حاصل للعبد . ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال : وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : وسيعلم الكافر على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب « الكشاف » قرئ : ( الكفار ، والكافرون ، والذين كفروا ، والكفر ) أي أهله قرأ جناح بن حبيش : ( وسيعلم الكافر ) من أعلمه أي سيخبر . المسألة الثانية : المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 2 ] والمعنى : إنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة ، وذلك كالزجر والتهديد . والقول الثاني : وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة ، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون . والقول الثالث : وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل . والقول الأول هو الصواب . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 43 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند اللّه . ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين : الأول : شهادة اللّه على نبوته ، والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء الرسالة ، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كذلك . أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند اللّه تعالى ، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة . والثاني : قوله : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ وفيه قراءتان : إحداهما : القراءة المشهورة : وَمَنْ عِنْدَهُ يعني والذي عنده علم الكتاب . والثانية : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ وكلمة « من » هاهنا لابتداء الغاية أي ومن عند اللّه حصل علم الكتاب . أما على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال : القول الأول : أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهم : عبد اللّه بن سلام ، وسلمان الفارسي ، وتميم الداري . ويروي عن سعيد بن جبير : أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول : السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام وأصحابه ، لأنهم آمنوا في المدينة بعد الهجرة . وأجيب عن هذا السؤال بأن قيل : هذه السورة وإن كانت مكية إلا أن هذه الآية / مدنية ، وأيضا فإثبات النبوة بقول الواحد والاثنين مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز ، وهذا السؤال واقع .