فخر الدين الرازي

40

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلّى اللّه عليه وسلم نبيا حقا من عند اللّه . أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم . الثالث : أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن اللّه تعالى صادق في وعده ووعيده ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا . واعلم أن لنا في قوله : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أبحاثا دقيقة غامضة وهي من وجوه : الوجه الأول : أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر ، ومتأثر لا يؤثر ، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء ، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو اللّه سبحانه وتعالى ، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى ، فهي الموجودات الروحانية ، وذلك لأنها إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة اللّه تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده وإذا توجهت إلى عالم / الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها ، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام . وإذا عرفت هذا : فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها ، أما إذا توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء والإلهية ، فهناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . الوجه الثاني : أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة أخرى أشرف منها ، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في اللذة والغبطة . أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه البتة ، لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل ، فلهذا المعنى قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . والوجه الثالث : في تفسير هذه الكلمة أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الدهور والأزمان ، صابرا على الذوبان الحاصل بالنار ، فإكسير جلال اللّه تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغيير والتبدل ، فلهذا قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . ثم قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير كلمة طُوبى ثلاثة أقوال : القول الأول : أنها اسم شجرة في الجنة ، روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « طوبى شجرة في الجنة غرسها اللّه بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة » ، وحكى أبو بكر الأصم رضي اللّه عنه : أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن . والقول الثاني : وهو قول أهل اللغة إن طوبى مصدر من طاب ، كبشرى وزلفى ، ومعنى طوبى لك ، أصبت طيبا ، ثم اختلفوا على وجوه : فقيل : فرح وقرة عين لهم . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وقيل : نعم ما لهم عن