فخر الدين الرازي
30
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي رحمه اللّه : الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلًا جمع على أفعلة قال : ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير ، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب ، وطائر وأطيار ، ووزن فعيل يجمع على أفعلة ، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل . فيقال : واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال : يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه اللّه . وقال غيره : نظير واد وأودية ، ناد وأندية للمجالس . البحث الثالث : إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير ، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض . أما قوله تعالى : بِقَدَرِها ففيه بحثان : البحث الأول : قال الواحدي : القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها ؟ أي كم تبلغ في الوزن ، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها . البحث الثاني : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أي من الماء فإن صغر الوادي قل الماء ، وإن اتسع الوادي كثر الماء . أما قوله : فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً ففيه بحثان : البحث الأول : قال الفراء : يقال أزبد الوادي إزباداً ، والزبد الاسم ، وقوله : رابِياً قال الزجاج : طافياً عالياً فوق الماء . وقال غيره : زائداً بسبب انتفاخه ، يقال : ربا يربو إذا زاد . أما قوله تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء ، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار ، وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم يُوقِدُونَ بالياء ، واختاره أبو عبيدة لقوله : يَنْفَعُ النَّاسَ وأيضاً فليس هاهنا مخاطب . والباقون بالتاء على الخطاب ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان . الأول : أنه خطاب للمذكورين في قوله : قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ [ الرعد : 16 ] والثاني : أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة ، كأنه قال : ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون . البحث الثاني : الإيقاد على الشيء على قسمين : أحدهما : أن لا يكون ذلك الشيء في النار ، / وهو كقوله تعالى فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ [ القصص : 38 ] والثاني : أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار ، فلهذا السبب قال هاهنا : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ . البحث الثالث : في قوله : ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ قال أهل المعاني : الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة ، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص ، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله : زَبَدٌ مِثْلُهُ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل . ثم قال تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ والمعنى كذلك يضرب اللّه الأمثال للحق والباطل .