فخر الدين الرازي
23
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
القول الثاني : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد يسبح اللّه سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس للّه سبحانه وتعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود متعال عن النقص والإمكان ، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً ، وهو معنى قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . القول الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح اللّه تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه . القول الرابع : من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم . فإن قيل : وما حقيقة الرعد ؟ قلنا : استقصينا القول في سورة « البقرة » في قوله : فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [ البقرة : 19 ] . أما قوله : وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ فاعلم أن من المفسرين من يقول : عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعواناً ، ومعنى قوله : وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي وتسبح الملائكة من خيفة اللّه تعالى وخشيته . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم خائفون من اللّه لا كخوف ابن آدم ، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة اللّه طعام ولا شراب ولا شيء . واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح اللّه ، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل الإنكار ؟ النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر / بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلّى اللّه عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه ، ويريدان الفتك به ، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد ، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته ، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير ، ومات في بيت سلولية . واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، والحكماء بالغوا في وصف قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال : وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله : يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى [ الرعد : 8 ] وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات .