فخر الدين الرازي

176

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ، ويقال : سرح القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى . قال أهل اللغة : هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث وكثر الكلأ وخرجت العرب للنجعة ، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت . واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية ، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، وفرحت أربابها وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها . فإن قيل : لم قدمت الإراحة على التسريح ؟ قلنا : لأن الجمال في الإراحة أكثر . لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح ، فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق والانتشار ، فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح . والمنفعة الثانية : قوله : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس . قال ابن عباس : يريد من مكة إلى المدينة . أو إلى اليمن . أو إلى الشام . أو إلى مصر . قال الواحدي : هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل لشق عليكم وخص ابن عباس هذه البلاد ، لأن / متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد ، وقرئ : بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بكسر الشين وفتحها ، وأكثر القراء على كسر الشين . والشق المشقة والشق نصف الشيء ، وحمل اللفظ هاهنا على كلا المعنيين جائز ، فإن حملناه على المشقة كان المعنى : لم تكونوا بالغيه إلا بالمشقة ، وإن حملناه على نصف الشيء كان المعنى : لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق إلى المشقة . ومن الناس من قال : المراد من قوله : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل . قلنا : المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل وبعضها مختص بالبعض ، والدليل عليه : أن قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حاصل في البقر والغنم مثل حصوله في الإبل . واللّه أعلم . المسألة الثانية : احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس ، وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون : إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة ، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا ، ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور ، لأنه لا قائل بالفرق . وجوابه : أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات . واللّه أعلم . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 8 ] وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 )