فخر الدين الرازي
156
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ذهب الشباب وأخلق العمر وعمر الرجل يعمر عمرا وعمرا ، فإذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير . قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف . المسألة الثانية : في قوله : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قولان : الأول : أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أي في غوايتهم يعمهون ، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ويلتفتون إلى نصيحتك . والثاني : أن الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على اللّه تعالى قال النحويون : ارتفع قوله : لَعَمْرُكَ بالابتداء والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلا عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو : باللّه لأفعلن ، والمعنى : أحلف باللّه فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف . ثم قال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني : ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به ، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله : مُشْرِقِينَ يقال شرق الشارق يشرق شروقا لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم ما ذكر شارق أي طلع طالع فقوله : مُشْرِقِينَ أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ، وهو بزوغ الشمس . واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب : أحدها : الصيحة الهائلة المنكرة . وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها . وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود . ثم قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ يقال توسمت في فلان خيرا أي رأيت فيه أثرا منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل : المتفرسين ، وقيل : الناظرين ، وقيل : المتفكرين ، وقيل : المعتبرين ، وقيل : المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته ، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول : توسمت / في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه . ثم قال : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ الضمير في قوله : وَإِنَّها عائد إلى مدينة قوم لوط ، وقد سبق ذكرها في قوله ، وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وقوله : لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر اللّه وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف ، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها . ثم قال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي كل من آمن باللّه وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن اللّه تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أما الذين لا يؤمنون باللّه فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية واللّه أعلم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 78 إلى 79 ] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 )