فخر الدين الرازي
146
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ الحجر : 40 ] فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه اللّه في هذا الاستثناء فقال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس . واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ استثناء ، لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ، وقوله : إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ قال ابن عباس : يريد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين . ثم قال تعالى : لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ وفيه قولان : القول الأول : إنها سبع طبقات : بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] . والقول الثاني : إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام : ولكل قسم باب ، وعن ابن جريج : أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير . ثم سقر . ثم الجحيم . ثم الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى : فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : للنصارى . والرابعة : للصابئين . والخامسة : للمجوس . والسادسة : للمشركين . والسابعة : للمنافقين . وقوله : لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : جُزْءٌ مَقْسُومٌ والباقون ( جز ) بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري : ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي ، كقولك : خب / في خبء ، ثم وقف عليه بالتشديد . المسألة الثانية : الجزء بعض الشيء ، والجمع الأجزاء ، وجزأته جعلته أجزاء . والمعنى : أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء ، بمعنى أنه يجعلهم أقساما وفرقا ، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف . والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة ، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة ، واللّه أعلم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 45 إلى 48 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ( 46 ) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 47 ) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ( 48 ) اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ قولان :