فخر الدين الرازي

143

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : أنه صرح بأن اللّه أغواه فقال : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي وذلك تصريح بأن اللّه تعالى أغواه لا يقال : هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضا فهو معارض بقول إبليس : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول . أما الجواب عن الأول : فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن اللّه تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال . وأما الجواب عن الثاني : فهو أنه قال في هذه الآية : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فالمراد هاهنا من قوله : لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ هو المراد من قوله في تلك الآية : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن اللّه تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره اللّه تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص : هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا [ القصص : 63 ] . السؤال السادس : أنه أقل : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي وهذا اعتراف بأن اللّه تعالى أغواه فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه ، أو ما عرف ذلك ، فإن كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه امتنع كونه غاويا لأنه إنما يعرف أن اللّه تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل ، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه ما عرف أن اللّه أغواه فكيف أمكنه أن يقول : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية . أما الإشكال الأول : فللمعتزلة فيه طريقان : الطريق الأول : وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة ، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته / فإن ذلك الكافر ، والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم أمهله هذه المدة . الطريق الثاني : وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال : إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات ، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا هاهنا ، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني . وأما السؤال الثالث : وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها ، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم اللّه تعالى من حاله أن ذلك لا يوجب التفاوت البتة ، فالسؤال زائل ، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع . وأما السؤال الخامس : وهو أن إبليس صرح بأن اللّه تعالى أغواه وأضله عن الدين ، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك .