فخر الدين الرازي
140
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فقوله : وَلَهُ يَسْجُدُونَ يفيد الحصر ، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا للّه تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير اللّه تعالى أقصى ما في الباب أن يقال : إن قوله تعالى : فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يفيد العموم ، إلا أن الخاص مقدم على العام . وثالثها : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له ، لأن قوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي وقوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ قال الخليل وسيبويه قوله : كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ توكيد بعد توكيد ، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال : لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم ، فلما قال : كُلُّهُمْ زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال : أَجْمَعُونَ ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة ، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال : وقول الخليل وسيبويه أجود ، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا وقوله : إِلَّا إِبْلِيسَ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم ، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا ؟ وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة وقوله : أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استئناف وتقديره أن قائلا قال : هلا سجد فقيل : أبى ذلك واستكبر عنه . أما قوله : قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : قالَ يا إِبْلِيسُ أي قال اللّه تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال / بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ فقوله : خَلَقْتَهُ خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع اللّه تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة اللّه تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة اللّه تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فيه بحثان : البحث الأول : اللام في قوله : لِأَسْجُدَ لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح مني أن أسجد لبشر . البحث الثاني : معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه . كأنه يقول : البشر جسماني كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف ، والأدون كيف يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى : قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ فهذا ليس جوابا عن تلك الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه . وتقريره أن الذي قاله اللّه تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ومن عارض النص